السيد محمد حسين الطهراني
31
معرفة الإمام
على المشركين في عقبة منى من قبل أمير المؤمنين عليه السلام ، لم يصحّ أن يقال يوم عرفة من السنة العاشرة : اليوم يئس الذين كفروا من دينكم . وقد كانوا يئسوا قبل ذلك بسنة أو سنتين . وإنّما ينبغي أن يقال : قَدْ يَئِسُوا ، أو إنَّهُمْ آيسُونَ . ثانياً : وغفل عن أنَّ هذا التدرّج الذي ذكره في محرّمات الطعام ، وقاس تحريمها بتحريم الخمر ، إن أريد به التدرّج من حيث تحريم بعض الأفراد بعد بعض ، فلا يصحّ . لأنَّ هذه الآية الواردة في سورة المائدة لا تشتمل على أزيد ممّا تشتمل عليه آيات البقرة ، والأنعام ، والنحل ، من محرّمات الطعام . وأنَّ الْمَوْقُوذَة ، والْمُنْخَنِقَة ، والْمُتَرَدِّيَة ، والنَّطِيحَة ، ومَا أكَلَ السَّبُع هي من أفراد الميتة التي جاءت حرمتها في آيات تلك السور . وَمَا ذُبِحَ على النُّصُبِ وَأن تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلَامِ من مصاديق وأفراد مَا اهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ في سورة النحل . وهذه الآية في سورة المائدة لا تبيّن شيئاً أكثر ممّا تبيّنه آيات السور الثلاث من حيث تعداد المحرّمات . وإن أريد التدرّج من حيث البيان الإجماليّ والتفصيليّ ، إذ ذكره الله إجمالًا أوّلًا ، ثمّ فصّله ثانياً خوفاً من امتناع الناس من القبول ، فلا يصحّ أيضاً . لأنَّ مصاديق وأفراد المحرّمات التي تدخل تحت عنوان الميتة ، ولحم الخنزير ، والدم ، وما اهلّ به لغير الله ، والتي جاءت في السور الثلاث النازلة قبل سورة المائدة ، هي أكثر من المحرّمات الواردة في سورة المائدة ، وابتلاء الناس بها أكثر من أمثال الْمُنْخَنِقَة ، الْمَوْقُوذَة ، والْمُتَرَدِّيَة ، والنَّطِيحَة ، ومَا أكَلَ السَّبُع ، لأنها أمور نادرة التحقّق ، والناس - عادة - لا يقتلون ذبائحهم بالخنق ، أو الإرداء ، أو الوقذ ، أو النطح . نعم ، لو قدّر وقوع هذه الأشياء ، لما رأى الناس بأساً في أكلها .